يشرح الكاتب في هذا التعليق التحليلي، المنشور على موقع تشاتام هآوس، التحول اللافت في مواقف عدد من حكومات الشرق الأوسط إزاء احتمال شن الولايات المتحدة هجوماً عسكرياً على إيران، ويوضح أن دولاً مثل قطر وتركيا والسعودية ومصر تسعى اليوم إلى كبح التصعيد بدل الدفع نحوه. 

 

تبدل إدراك التهديدات

 

لم يمض وقت طويل على انتقاد قادة إقليميين لواشنطن بسبب ما اعتبروه تساهلاً مع طهران، خاصة خلال إدارة باراك أوباما التي راهنت على الدبلوماسية ووقعت الاتفاق النووي المعروف بـ”خطة العمل الشاملة المشتركة”. رأت نخب عربية آنذاك في إيران تهديداً رئيسياً للاستقرار، خصوصاً بعد تمدد نفوذها في العراق عقب غزو 2003، وتحالفها الوثيق مع نظام الأسد في سوريا، ونفوذها في لبنان عبر حزب الله، وتعاظم حضورها في اليمن عبر الحوثيين. أطلق بعض القادة على هذا التمدد تسمية “الهلال الشيعي”.

 

غير أن المشهد تغير اليوم. تراجعت قدرة ما كان يُعرف بـ”محور المقاومة” على التأثير، بعدما أضعفت الحرب في غزة والهجمات الإسرائيلية المتلاحقة حماس وحزب الله، وسقط نظام الأسد، وواجهت الميليشيات في العراق والحوثيون ضغوطاً متزايدة. أضعف هذا التآكل شبكة إيران الإقليمية، وقلص تصور الخطر الإيراني المباشر لدى عواصم عربية.

 

في المقابل، تصاعد القلق من سلوك إسرائيل الذي تصفه دول المنطقة بالتوسعي وغير المتوقع. عززت هجمات إسرائيل الأخيرة، بما في ذلك ضربات اعتبرتها دول خليجية تجاوزاً للخطوط الحمراء، شعوراً بأن الخطر لم يعد أحادي الاتجاه. باتت عواصم عربية ترى أن انهيار إيران أو إضعافها بشدة قد يطلق ديناميكيات أكثر خطورة، سواء عبر فوضى داخلية في إيران أو عبر اندفاعة إسرائيلية لإعادة تشكيل الإقليم وفق رؤيتها.

 

خيارات التعامل مع إيران

 

يحدد التحليل ثلاثة مسارات رئيسية للتعامل مع إيران: تغيير النظام، أو الاحتواء، أو مقاربة قائمة على الضغط الانتقائي على سياسات محددة. تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل الميل إلى الخيارين الأولين، لكن معظم الدول العربية لم تعد ترى فيهما مساراً آمناً.

 

يعدّ خيار تغيير النظام عبر الحرب محفوفاً بمخاطر جسيمة. لا توجد معارضة وطنية موحدة وقادرة على تولي السلطة في حال انهيار النظام، كما يرتبط النظام الإيراني ببنية الدولة ارتباطاً وثيقاً. يخشى قادة المنطقة أن يؤدي أي انهيار مفاجئ إلى تفكك الدولة، أو إلى صعود قيادة أكثر عسكرة وتشددًا. قد تفوق تداعيات هذا السيناريو ما شهده الإقليم بعد حروب العراق وسوريا واليمن، سواء من حيث موجات اللجوء أو انتشار الجماعات المسلحة أو تفشي الفوضى.

 

أما سياسة الاحتواء، التي شكلت أحد أعمدة مبادرات مثل “اتفاقات أبراهام”، فلم تحقق النتائج المرجوة في تجارب سابقة. يرى كثيرون في الخليج أن الاحتواء زاد الاستقطاب الإقليمي بدل تقليصه. لذلك تميل هذه الدول إلى مقاربة ثالثة تقوم على معارضة سياسات إيرانية محددة – مثل البرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية أو دعم جماعات مسلحة – من دون السعي إلى إسقاط النظام أو محاصرته بشكل شامل.

 

الدبلوماسية كخيار أقل كلفة

 

يدفع هذا التحول في إدراك التهديدات دولاً مثل عمان وقطر وتركيا إلى تنشيط الوساطات، كما تدعو السعودية ومصر إلى خفض التصعيد والعودة إلى التفاوض. تعارض هذه الدول ضربة أميركية باعتبارها وسيلة لحل الملفات العالقة، لكنها في الوقت ذاته تبدي قلقاً من بعض سياسات طهران.

 

تدرك العواصم العربية أن هجوماً واسعاً قد يشعل المنطقة ويطلق سباقاً جديداً نحو التسلح أو الفوضى، كما قد يعزز نفوذ أطراف متشددة داخل إيران. وتخشى أيضاً أن يؤدي غياب رؤية أميركية واضحة حول أهداف أي عمل عسكري إلى نتائج غير محسوبة.

 

من جهة أخرى، لا تبدي طهران حماساً لمسار دبلوماسي موسع يضم دولاً إقليمية إلى جانب واشنطن، كما اقترحت تركيا. قد تفضل إيران التفاوض الثنائي مع الولايات المتحدة، إذ يمنحها ذلك هامشاً لتحميل واشنطن مسؤولية أي فشل. أما إشراك أطراف إقليمية فقد يفتح المجال أمام توزيع اللوم على تعنت إيراني محتمل.

 

يكشف التحليل أن مواقف دول الشرق الأوسط لا تعكس تعاطفاً مع إيران بقدر ما تعبر عن حسابات براجماتية جديدة. ترى هذه الدول أن تهديدات اليوم تختلف عن تهديدات الأمس، وأن انهيار إيران أو اندلاع حرب شاملة قد يولد مخاطر تفوق بكثير مكاسب إضعاف طهران. لذلك تضغط هذه الحكومات باتجاه الدبلوماسية وخفض التصعيد، انطلاقاً من قناعة بأن الاستقرار الهش في الإقليم لا يحتمل مغامرة عسكرية جديدة بلا نهاية واضحة.

 

https://www.chathamhouse.org/2026/02/why-are-middle-eastern-governments-lobbying-against-us-attack-iran